في مدينة الصمت

لست أدري كيف كانت رحلتي .... من أين بدأت ..!! و لا أين انتهت ...فالأرض التي وصلت إليها كانت مثيرة للتساؤل والحيرة ولم أكن أعرفها من قبل .... حتى هؤلاء الناس الذين رافقوني في الحافلة .. لا أذكرهم

 نزلت من الحافلة في ارتباك وشعور شديد بالإعياء يسيطر عليّ ... أنا لست مريضة أعرف ..لكني شعرت كأني كذلك ... درت بعيني في وجوه الأشخاص ولم أتبين ملامحهم من ظلمة المكان .... رجفة تسري بأوصالي .. ضممت ذراعيّ .... عجبا .... كيف هذا البرد في منتصف آب !!!

 بدأوا في السير إلى الأمام فتلفتت حولي قليلا ثم قررت اللحاق بهم هربا من مجهول لا اعرفه ... بدأت أتلمس طريقي في الظلام .... وبخطوات خائفة مرتعشة رحت أنتقل من صخرة لأخرى ...تنزلق قدمي تارة فتغمرها مياه لا أعرف مصدرها .. وأتشبث وأتجمد تارة أخرى قبل أن أواصل سيري .

 رفعت عيني عن آخر صخرة وصلت لها قدمي لأجد على مرمى بصري بحرا واسعا أو محيطا لست أدري .... وعلى ضريح الأمواج المنتحرة اصطدمت عيني بـ....برؤوس .... أو تماثيل ... أو جماجم ربما .... لكنها أبدا لم تكن مخيفة ... بيضاء اللون ..ناعمة .....ماهذه الأشياء !! ولماذا هي هنا !!! هل تتكلم !!!! ... حدقت في أكبرها كثيرا قبل أن ألتفت إلى اليد التي امتدت اليّ عن شمالي وأنظر لصاحبها في صمت ...نقلت بصري بينه وبين الأخدود الذي شق الرمل تحت قدمي ثم استجبت ليده الممدودة لمساعدتي على المرور .

 عبرت ووجهي يطالع وجها آخر على يميني كان يتابعني في صمت .... هذا الوجه اعرفه ولا أعرفه ...رأيته من قبل ولم أره ...انزلقَت على الطريق بين عيني وعينه مئات الأسئلة الحائرة ... وانزلق إليّ صمت ثرثار . أشحت بوجهي لأطالع البحر وقد صرت أمامه .... اليد اختفت !! والقافلة كلها اختفت .... وأنا وحدي هنا ..أسمع لهو الأمواج وأشم رائحتها العطرة .

نظرت إلى ساعة يدي ثم أرسلت نظري إلى الأفق ... ومرة أخرى أتعجب !!! إنها لازالت الخامسة ...كيف هذه الظلمة وهذا الليل !!! .

 يد أمسكت يدي في رفق ... لم انزعج ...اطمئنان مفاجيء يتغلغل في خلايا جسدي رغما عني ... إلتفتت إليه ... إنه هو .... لا زال صامتا ... و لازال ضجيج صمته يقلب موازيني رأسا على عقب !!! . نظر إلى السماء بعينين تشعان قوة وثقة ... فنظرت بدوري ... ورفعت حاجبيّ في دهشة .... كان نورا يتدافع من بين السحب المظلمة ويتسع سريعا سريعا حتى ملأ الأفق كله وتصاعد بداخلي .. فأغمضت عيناي في قوة وأخذت نفسا عميقا باردا..... وابتسمت. .

 ها أنت تنتظرني بنفس الهدوء بينما أتسكع أنا داخل المتجر وأسأل عن سعر هذه وتلك . بحثت لك عن قرص ضوئي ربما يحل مشكلتك بالعمل !! ولم أجده من بين كل هذه المنتجات . ... كيف عرفت أنا أنه سيفيدك !!! اذا هو أنت .... كنت أعرف أني رأيت هذا الوجه من قبل ... وأعرف أن علاقة حميمة تربطني به ... وها أنا أبحث عن متطلباتك يا جميلي ، كي أثبت لنفسي من جديد أني أعرفك وأعرف احتياجاتك . .

 ألا تتكلم !!!  تأخذ يدي مرة أخرى و تصعد بي الدرج ... تتجول بي هنا وهناك ... أقف في كل ركن من أركان المكان وأتطلع بانبهار للألوان ...أطلق ضحكات طفولية .. وأمسك بالأشياء في سعادة قبل أن أستكين في يدك مرة أخرى ..... .

أسألك في رجاء الطفلة ... لِمَ لم نذهب في هذا الإتجاه ؟؟ فتخبرني عيناك الثرثارة بأنه عقيما كالذي مضى... فلا داعي للتعب !! أكتم الإعتراض وأغمض عيناي تاركة يدي الصغيرة في يدك كطفلة وأبيها ... أوصد أبواب أذني على الصوت .. وأدبر لرحلة جديدة معك أكتشف فيها عنادي وإلحاحي ورفضي ... وأكتشف قدرتك السحرية على احتواء هذا الرفض ..... والصمت .


منى 

2004

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

البحث
آخر التدوينات
إعلان
التقويم
« أكتوبر 2017 »
إث ث أر خ ج س أح
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31          
التغذية الإخبارية